يعد تقييم أحدث الأجهزة الذكية تجربة غنية تكشف الكثير عن سلوك المستهلك الرقمي. في الآونة الأخيرة، أتيحت لي فرصة اختبار أحد الهواتف القابلة للطي الرائدة من سامسونج. بعد استخدامه لعدة أسابيع متواصلة، لفت انتباهي أمر جوهري: بالنسبة لمستخدم اعتاد على هواتف آيفون لعقدين كاملين، كان الانتقال إلى نظام أندرويد يمثل تحدياً غير متوقع في البداية.

عند التحدث مع مستخدمي الهواتف الذكية القدامى، كثيراً ما نسمع ردود فعل حاسمة تؤكد صعوبة التبديل بين المنظومتين. علاوة على ذلك، يفترض كثيرون أن تفضيل الهواتف الذكية يعود إلى سيطرة النصف الأيمن أو الأيسر من الدماغ. ومع ذلك، تؤكد أبحاث علم الأعصاب الحديثة عدم صحة هذه الفرضية الشائعة على الإطلاق.

في الواقع، لم تجد الدراسات العلمية أي دليل يثبت أن البشر يصنفون حسب هيمنة أحد نصفي الدماغ. على سبيل المثال، أكدت دراسة موسعة أجرتها جامعة يوتا على أكثر من 1,000 مشارك أن نصفي الدماغ يعملان معاً بتكامل تام. بناءً على ذلك، لا يوجد أي أساس علمي يدعي أن أدمغة معينة مبرمجة لنظام iOS وأخرى لنظام أندرويد. بل إن تفضيل الهواتف الذكية ينبع أساساً من سنوات طويلة من السلوك المكتسب والعادات الرقمية اليومية.

كيف دربتنا أنظمة الهواتف على مدار عقدين من الزمن؟

أطلقت شركة آبل أول هاتف آيفون في عام 2007، بينما ظهرت هواتف أندرويد التجارية الأولى في عام 2008. نتيجة لذلك، أمضى المستهلكون قرابة عشرين عاماً في الاعتياد على نظام تشغيل محدد وواجهات استخدام مألوفة.

يلعب هذا التكرار اليومي دوراً حاسماً في تثبيت العادات. لا يفكر المستخدم القديم بوعي عندما يتنقل بين الشاشات الرئيسية أو يتعامل مع الإشعارات، بل تتولى الذاكرة الحركية والإجرائية إدارة هذه التفاعلات تلقائياً. في علم النفس المعرفي، يُعرف هذا المفهوم بالتعلم الإجرائي (Procedural Learning)، حيث تصبح الممارسات المتكررة تلقائية دون الحاجة إلى جهد ذهني واعي.

بالإضافة إلى ذلك، توضح أبحاث تبني التقنية وسلوك المستهلك قوة تكاليف الانتقال والتبديل (Switching Costs). فالانتقال إلى منصة تشغيل جديدة يتطلب التخلي عن عادات راسخة واستبدالها بنماذج تفاعلية جديدة. لهذا السبب، يقاوم المستخدمون بطبيعتهم تغيير أنظمتهم المعتادة.

يفسر هذا الواقع العلمي سبب شعور مستخدم آيفون المتمرس بالارتباك عند استخدام جهاز أندرويد للمرة الأولى. فالجهاز يعمل بكفاءة تقنية فائقة، لكنه لا يتطابق ببساطة مع التوقعات الذهنية المسبقة التي ترسخت عبر السنين.

الألفة الرقمية وتأثيرها على تجربة المستخدم (UI/UX)

على مدار العشرين عاماً الماضية، طورت كل من آبل وجوجل أنماطاً فريدة لواجهات الاستخدام. أتقن المستخدمون إيماءات معينة، وطرق توزيع الأزرار، وتنسيقات الإشعارات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

تخيل أنك تقود سيارة تم فيها عكس موضع دواستي الوقود والفرامل فجأة. من الناحية النظرية، السيارة تعمل بأعلى درجات الكفاءة الهندسية. ولكن، ستكون ردة فعلك الأولى هي الإحباط والارتباك الشديد لأن نموذجك الذهني المكتسب لم يعد ينطبق على الواقع الجديد.

ختاماً، لا يرتبط ولاء المستهلك لنظام هاتفه ببنية الدماغ البيولوجية. بل إنه يعكس عادات إدراكية عميقة تشكلت عبر سنوات من التفاعل الرقمي اليومي-وهي نفس المبادئ الهندسية التي توجه خدماتنا في تصميم المواقع وتطوير تجربة المستخدم في السوق السعودي.